لطالما شكلت ساعات الجيب جزءًا هامًا من الحضارة المعاصرة وتطورات عالم الساعات. فمنذ القرن السادس عشر، أصبحت جزءًا لا يتجزأ من أناقة الرجل. مثّلت هذه الساعات الصغيرة المستديرة ساعات محمولة، وكانت رمزًا للمكانة الاجتماعية حتى أصبح إنتاجها بكميات كبيرة أمرًا سهلاً. (
رجل يحمل ساعة جيب، حوالي ستينيات القرن السادس عشر)
أواخر
القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، وصلت الهندسة الميكانيكية إلى مرحلةٍ مكّنت من صنع زنبركاتٍ بسيطة، تُعرف بالزنبركات الرئيسية. استطاع المطوّر الألماني بيتر هينلين ابتكار ساعةٍ لا تحتاج إلى أثقالٍ ساقطةٍ لتشغيل الحركة. في الواقع، ظلت ساعات الجيب الأولى تُستخدم كقلائدَ تُعلّق بسلسلة.
كانت بيضاوية الشكل وكبيرة الحجم، إذ كان الجزء الأمامي من العلبة مُقوّسًا لحماية الميناء قبل إضافة البلورات. في بعض الحالات، كانت هذه الأغطية مُزيّنةً بنقوشٍ شبكيةٍ ليتسنى معرفة الوقت دون فتح العلبة. سمح إدخال البراغي في خمسينيات القرن السادس عشر بتغيير الشكل إلى الشكل المسطّح الذي نعرفه اليوم في ساعات الجيب. سمح هذا بتثبيت غطاءٍ نحاسيٍّ لحماية الميناء من التلف الخارجي. ولأنها كانت مرحلةً انتقاليةً بين الساعات والساعات اليدوية، فقد اقتصرت ساعات الجيب الأولى على عقرب الساعات فقط.
يُعتقد أن
تشارلز الثاني ملك إنجلترا وتطور شكل الساعة ليصبح مسطحًا ليناسب جيب الصدرية. وتم التخلص من جميع الحواف الحادة لمنع قطع القماش وفقدان الساعة. في ذلك الوقت، كانت الساعات لا تزال تُشحن بمفتاح، بينما ظهرت خاصية التعبئة الذاتية بعد ذلك بفترة طويلة. وحتى أواخر القرن الثامن عشر، كانت الساعات تُعتبر سلعًا فاخرة مخصصة للنخبة.
تطورات في التكنولوجيا:
لم تكن ساعات الجيب المبكرة دقيقة في ضبط الوقت، بل كانت تتأخر عادةً عدة ساعات خلال اليوم. أحدث التطور الجوهري في آلية الرافعة تغييرًا جذريًا في دقة الساعات، حيث أصبحت تتأخر دقيقة أو دقيقتين فقط خلال اليوم. كما سمحت هذه الآلية بإضافة عقرب الدقائق إلى ساعات الجيب.
وبحلول عشرينيات القرن التاسع عشر، أصبحت الرافعات أساسية في ميكانيكا الساعات. وفي أواخر خمسينيات القرن التاسع عشر، تم تقديم أجزاء موحدة، مما أتاح توحيد الساعات وتوفيرها للجميع. تميزت هذه الساعات بطول عمرها ودقتها العالية، فضلاً عن كونها اقتصادية. استطاعت شركة "وولثام" الأمريكية للساعات إنتاج أكثر من 50 ألف ساعة عالية الجودة، مما شكّل بدايةً لجهود التصنيع.
أنواع ساعات الجيب
الساعات ذات الوجه المكشوف:
تفتقر هذه الساعات إلى الغطاء المعدني لحماية الكريستال. يوجد زر التعبئة عند موضع الساعة 12، بينما يوجد عداد الثواني الفرعي عند موضع الساعة 6. كانت الساعات ذات الوجه المكشوف ضرورية لخدمة السكك الحديدية لقراءة الوقت بسرعة وسهولة.
ساعات هانتر-كيس:
يتميز هذا النوع من الساعات بغطاء معدني بمفصل زنبركي يُغلق لحماية المينا والزجاج. في النماذج القديمة، يكون المفصل عند موضع الساعة التاسعة والتاج عند موضع الساعة الثالثة. أما النماذج الحديثة، فتتميز بمفصل عند موضع الساعة السادسة وتاج عند موضع الساعة الثانية عشرة. كما يمكن نقش هذه العلب، وتتوفر منها تصاميم متنوعة.
ساعات دبل هانتر
: تشبه هذه الساعات ساعات هانتر-كيس، لكنها تتميز أيضاً بغطاء خلفي مفصلي يُفتح ليكشف عن الحركة الميكانيكية. تقع المفصلات عند موضع الساعة السادسة، مما يسمح بفتح كلا الجانبين ووضع الساعة بشكل مستقل.
أنواع حركات ساعات الجيب
آلية التعبئة السرية:
احتوت ساعات الجيب الأولى، من القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن التاسع عشر، على آلية تعبئة أساسية. كانت هذه الساعات تتطلب مفتاحًا سريًا لتعبئتها وضبط الوقت. عادةً، كان المستخدم يزيل الغطاء الخلفي ويضع المفتاح في مكان مخصص مرتبط بآلية التعبئة.
وكان يُستخدم المفتاح نفسه لضبط الوقت، حيث يُوضع في آلية الضبط المتصلة بعجلة الدقائق لتحريك العقارب. بعض الساعات لم تكن مزودة بنظام الضبط في الخلف، وفي هذه الحالة كان يتطلب الأمر إزالة البلورة والإطار. التعبئة بالساق:
على
غرار ساعات اليد الحديثة، احتوت الإصدارات اللاحقة من ساعات الجيب على آلية التعبئة بالساق. طُوّرت هذه الآلية على يد أدريان فيليب في منتصف أربعينيات القرن التاسع عشر، وسوّقت لها شركة باتيك فيليب في خمسينيات القرن نفسه. في بعض الساعات، كان من الممكن ضبط الوقت أيضًا باستخدام الساق. وكانت هناك طريقة شائعة أخرى لضبط الوقت وهي استخدام ذراع الضبط. يُتيح هذا التصميم سحب الرافعة، مما يسمح بتدوير التاج لضبط الوقت. عند الانتهاء، تُعاد الرافعة إلى مكانها ويُغلق الزجاج والإطار. يضمن ضبط الوقت بالرافعة استحالة حدوث تغييرات غير متوقعة في الوقت.
الحديثة
في توحيد التوقيت حسب المناطق الزمنية، وضرورة دقة قياس الوقت، أهمية بالغة في مطلع القرن العشرين. وقع حادث قطار أوهايو الشهير عام ١٨٩١ بسبب تأخر ساعتين لسائقي القطار بأربع دقائق.
أدت الحرب العالمية الأولى إلى تراجع استخدام ساعات الجيب، إذ احتاج الجنود إلى حرية حركة أيديهم، فابتكر المصممون سوارًا لساعة الجيب تُلبس على المعصم. ونظرًا لانتشار هذه الساعات الجديدة، المعروفة أيضًا بساعات الخنادق، بين الرجال، فقد لاقت رواجًا كبيرًا وغيرت عالم الساعات.
في عشرينيات القرن الماضي، كان الرجال يرتدون عادةً بدلات ثلاثية القطع، مما سمح لهم بحمل ساعة الجيب في جيب السترة. وشهدت سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي عودة ظهور هذه البدلات، مع ظهور محدود لساعات الجيب. وحتى اليوم، لا يزال هناك من يستخدم ساعات الجيب. وترحب حركة ستيمبانك بفنون وأساليب العصر الفيكتوري، بما في ذلك ساعات الجيب. يرتدي بعض الرجال الأنيقين اليوم البدلة الرسمية المكونة من ثلاث قطع ويحملون ساعات جيب.











